سيد محمد طنطاوي
402
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعن ابن عمر - رضى اللَّه عنهما - يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء . وقيل : لقد خلقناه منتصب القامة واقفا ، ولم نجعله منكبا على وجهه . وقيل : جعلناه منتصبا رأسه في بطن أمه ، فإذا أذن له في الخروج قلب رأسه إلى قدمي أمه . . وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها ، والصحيح الأول . . « 1 » . والحق أن تفسير الكبد بالمشقة والتعب ، هو الذي تطمئن إليه النفس لأنه لا يوجد في هذه الحياة إنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب حياته ، وفي كبد وتعب للحصول على آماله ورغباته وغاياته ، ورحم اللَّه القائل : تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد وقال - سبحانه - * ( فِي كَبَدٍ ) * للإشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته للمشاق والمتاعب ، وعدم انفكاكه عنها . . كالظرف بداخل المظروف فهو في محن ومتاعب ، حتى يصير إلى عالم آخر تغاير أحواله أحوال هذا العالم . والاستفهام في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْه أَحَدٌ . يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً . أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَه أَحَدٌ ) * للإنكار والتوبيخ . أي : أيظن هذا الإنسان الذي هو في تعب ومشقة طول حياته ، أنه قد بلغ من القوة والمنعة . . بحيث لا يقدر عليه أحد . إن كان يتوهم ذلك ، فهو في ضلال مبين ، لأن اللَّه - تعالى - الذي خلقه ، قادر على إهلاكه في لمح البصر ، وقادر على أن يسلط عليه من يذله ، ويقضى عليه . ويدخل في هذا التوبيخ دخولا أوليا ، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم ، فآذوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه إيذاء شديدا . ثم حكى - سبحانه - جانبا من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بني آدم فقال : * ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً ) * . أي : يقول هذا الإنسان المغرور بقوته ، والمفتون بماله ، المتفاخر بما معه من حطام الدنيا . يقول - على سبيل التباهي والتعالي على غيره - لقد أنفقت مالا كثيرا ، في عداوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وفي إيذاء أتباعه ، وفي غير ذلك من الوجوه التي كان أهل الجاهلية يظنونها خيرا ، وما هي إلا شر محض . وعبر - سبحانه - عن إنفاق هذا الشقي لما له بقوله : * ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ . . . ) * . للإشعار ، بأن ما أنفقه من مال هو شيء هالك ، لأنه لم ينفق في الخير ، وإنما أنفق في الشر .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 135 .